الشيخ المحمودي
187
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
تكوينية بلا ريب ، ثم إنّ الإنسان لما تعلق التكليف ببعض أفعاله المتعلقة بالأرزاق كالأكل والشرب والنكاح واللباس ونحوها ، والرزق مما يضطر إليه تكوينا ، كان لازم ذلك أن لا تتعلق الحرمة والمنع إلا بما لا مندوحة عنه ، وإلّا كان تكليفا بما لا يطاق قال تعالى : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ « 1 » وقال : إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ « 2 » وكان لازم ذلك أنّ في موارد المحرمات ارزاقا إلهية محللة هي المندوحة للعبد ، وهي الأرزاق المنسوبة إليه تعالى بحسب النظر التشريعي دون المحرمات . فتحصل أنّ الرزق رزقان : رزق تكويني وهو كل ما يستمد به موجود في بقائه كيف كان . ورزق تشريعي وهو الحلال الّذي يستمد به الإنسان في الحياة ، دون الحرام فإنه ليس برزق منه تعالى ، هذا هو الّذي يتحصل من الكتاب والسنّة بعد التدبّر فيهما . وقال الحكيم القدوسي ، المحقق الطوسي أعلى اللّه مقامه : « الرزق ما صح الانتفاع به ولم يكن لأحد منعه ، والسعي في تحصيله قد يجب وقد يستحب وقد يباح وقد يحرم » . أقول : الرزق قد يطلق ويراد منه ذوات الأشياء الّتي خلقها اللّه تبارك وتعالى لانتفاع الحيوان بها وتغذيه منها ، وهذا القسم ما دام لم يحرزه أحد ، ولم يتسلط عليه بأحد العناوين المملّكة أو المخصّصة ، أو المبيحة بحكم الشرع أو العقل ، لا يصح أن ينسب إلى شخص معين وحيوان مخصوص ، فيقال مثلا : الفاكهة الموجودة في جزيرة البحر غير المملوكة أو المحجوزة رزق لزيد . إذ نسبتها إلى زيد وغيره على حد سواء ، فما دام لم تحصل جهة تخصصها بفرد معين لا تصح إضافته إليه ، وذلك مثل جميع الأغذية الموجودة في البراري وقلل الجبال المحفوظة عن استيلاء البشر عليها ، وكذلك اللؤلؤ والمرجان ، والكنوز الثابتة في
--> ( 1 ) الآية 78 ، من سورة الحج : 22 . ( 2 ) الآية 28 ، من سورة الأعراف : 7 .